ماجدولين الرفاعي
رغم الجدل الذي سبق الحفل ورافقه، استطاعت أصالة بموهبتها وحضورها أن تحوّل عودتها إلى دمشق إلى ليلة سورية جامعة، امتزجت فيها الأغنية بالذاكرة والحنين والدموع
لم يكن حفل الفنانة السورية أصالة نصري في دمشق أمسية غنائية عادية، ولا مجرد عودة فنانة إلى المسرح بعد سنوات من الغياب، بل بدا أقرب إلى لقاء طويل بين صوت ومدينة، وبين ذاكرة شخصية وذاكرة وطن عاش كثيراً من الانقسامات والألم.
ففي مساء الخميس 17 سبتمبر/أيلول 2026، عادت أصالة إلى جمهورها السوري من بوابة صالة الفيحاء الرياضية في دمشق، لتحيي حفلاً حمل عنوان «عودة الأصالة»، بعد انقطاع دام نحو ستة عشر عاماً عن إحياء الحفلات في بلدها.
امتدت الأمسية قرابة أربع ساعات، وتوزعت على وصلتين غنائيتين استغرقت كل منهما نحو ساعتين، بحضور جماهيري ورسمي وفني كبير. وتوافد الجمهور من مناطق سورية مختلفة، فيما أعلنت الجهة المنظمة نفاد التذاكر بعد وقت قصير من طرحها.
ونُقل الحفل مباشرة على شاشة القناة السورية، فتحولت صالة الفيحاء، بما شهدته من غناء ودموع وتصفيق وزغاريد، إلى مشهد تابعه سوريون داخل البلاد وخارجها.
رحلة على الشاشة قبل ظهور أصالة
قبل صعود أصالة إلى المسرح، عُرضت على شاشة عملاقة مواد أرشيفية أعادت الجمهور إلى بداياتها الفنية؛ فظهرت صور من طفولتها، ومقاطع من مقابلاتها التلفزيونية الأولى، ومشاهد جمعتها بوالدها الفنان الراحل مصطفى نصري، الذي اكتشف موهبتها ورافق خطواتها الأولى في عالم الفن.
ولم يقتصر العرض على مسيرتها الغنائية، بل تضمن أيضاً لقطات من الثورة السورية ومواقف سابقة أعلنت فيها انحيازها إلى السوريين ومعارضتها للنظام السابق.
وبذلك قُدمت العودة ضمن سياقها الإنساني والسياسي، لا باعتبارها غياباً فنياً فحسب، بل بوصفها نهاية مرحلة طويلة حُرمت خلالها أصالة من الغناء في المدينة التي وُلدت فيها وبدأت منها رحلتها.
وعندما ظهرت أصالة أمام الجمهور بدت متأثرة، ولم تستطع إخفاء دموعها أمام التصفيق والهتافات التي استقبلتها. واستهلت الحفل بعبارة غنائية وطنية رددها الحاضرون معها:
«ارفع راسك فوق.. إنت سوري حر».
كما قدمت أغنية «سوريا جنة»، في افتتاح منح الأمسية منذ لحظاتها الأولى طابعاً سورياً واضحاً.
«حلمت بهذه اللحظة»
تحدثت أصالة إلى الجمهور بعفوية وتأثر، وقالت إنها لم تكن قادرة حتى تلك اللحظة على تصديق أنها تقف مجدداً أمام السوريين، وإنها حلمت طويلاً بهذا اللقاء.
وأوضحت أنها لا تريد اختصار سنوات ابتعادها بكلمة «غربة»، لأنها عاشت في مصر التي تعدها وطناً أيضاً.
وربطت أصالة قرار مغادرتها بمشاعرها تجاه أبناء بلدها، مؤكدة أنها غادرت لأنها كانت تشعر بالقهر من أجلهم، وأنها عادت من أجلهم أيضاً.
كما عبّرت عن أملها بأن تكون سوريا قد بدأت مرحلة التعافي، مشددة على أن التعافي لا يكتمل من دون الفن والموسيقى واحترامهما.
وبدت هذه الكلمات مفتاحاً لفهم الحفل كله؛ فأصالة لم تتعامل معه بصفته محطة جديدة في جدول حفلاتها، بل وصفته بما يشبه «الولادة الجديدة».
وبعد انتهاء الأمسية اختصرت مشاعرها بعبارة نشرتها عبر حساباتها: «الحمد لله رجعت عالشام».
أربع ساعات بين الأغنيات القديمة والجديدة
قدمت أصالة خلال الحفل باقة واسعة من الأغنيات التي ارتبط بها جمهورها طوال مسيرتها الممتدة لأكثر من ثلاثة عقود.
ومن الأعمال التي تأكد تقديمها خلال الأمسية: «أكتر»، و«آسفة»، و«سامحتك كتير»، و«سؤال بسيط»، و«بنت أكابر»، و«شكراً»، و«يا مجنون»، و«غلبان»، و«جابوا سيرته»، و«صندوق»، و«قد الحروف» و«غالي غالي».
وتفاعل الجمهور مع هذه الأعمال بالغناء والتصفيق، ولا سيما الأغنيات القديمة التي تحمل ذكريات شخصية لدى أجيال متعددة من السوريين.
وفي بعض المقاطع تركت أصالة للجمهور مساحة لترديد الكلمات، فتحولت الصالة إلى صوت جماعي واحد، بينما غلب التأثر والبكاء على عدد من الحاضرين.
ولا تتوافر قائمة رسمية مرتبة تضم جميع الأغنيات التي أدتها أصالة خلال الساعات الأربع؛ لذلك تمثل العناوين المتداولة والمقاطع المصورة الجزء الذي أمكن توثيقه من برنامج فني كان أوسع من القوائم المختصرة التي نشرتها وسائل الإعلام.
سوريا بألوانها ولهجاتها
كان «الألبوم السوري» حاضراً بقوة في الأمسية. ويضم المشروع أربع عشرة أغنية مستوحاة من التراث السوري، في إشارة إلى المحافظات السورية الأربع عشرة.
وتتنقل موسيقى المشروع ولهجاته بين دمشق وحلب وحوران والسويداء والساحل والبادية والجزيرة والريف الشامي، إضافة إلى لون غنائي باللغة الكردية.
وتضم قائمة المشروع أغنيات: «محبوب قلبك»، و«طولو»، و«عرب الشرقية»، و«حطي على النار يا جدة»، و«حلوة وطلتك دلال»، و«على روض الحبيب»، و«عمداً»، و«يما مويل الهوى»، و«الريف الشامي»، و«عالروزانا»، و«ع الهوني يا سمرة»، و«على دلعونا»، و«أم العريس»، و«والله لأعبي الجرة».
ورافقت فرقة «إنانا» أصالة في تقديم لوحات استعراضية مستوحاة من الدبكة والفنون الشعبية السورية، فأضفت على الأغنيات بعداً بصرياً يعكس تنوع البيئات المحلية.
وتولى المايسترو عدنان فتح الله قيادة الفرقة الموسيقية، فيما أخرج الحفل اللبناني باسم كريستو، مع توظيف الإضاءة والشاشات والصور التراثية لخدمة الفكرة الأساسية للأمسية.
ومن أكثر المقاطع تداولاً أغنية «أم العريس» التي تتضمن العبارة الحورانية «اكربي زنارك يا أم العريس»، إلى جانب «على دلعونا يا محلا الدنيا».
كما أهدت أصالة إلى والدتها الأغنية الحلبية «رايحين على حلب»، في لحظة عائلية جمعت بين حلب ودمشق على المسرح.
الأم في الصفوف الأولى وعود الأب حاضر في الذاكرة
حضرت أسرة أصالة هذه العودة الاستثنائية، وفي مقدمتها والدتها وابنتها شام الذهبي وحفيدتها وابنها خالد، إلى جانب زوجها الشاعر العراقي فائق حسن وشقيقها خالد نصري.
ومازحت أصالة الجمهور وهي تشير إلى والدتها الشقراء، طالبة من الحاضرين ألا يغازلها أحد، قبل أن تهديها الأغنية الحلبية.
كما ظهر ابنها خالد متفاعلاً مع جدته خلال غناء والدته، لتضيف هذه المشاهد بعداً عائلياً دافئاً إلى ليلة كانت مشحونة أصلاً بالذكريات.
وسبقت الحفل لحظة عائلية مؤثرة تمثلت في استعادة أصالة عود والدها الراحل مصطفى نصري، الذي بقي محفوظاً لدى العائلة سنوات طويلة.
ولهذا لم يكن حضور الأب مقتصراً على المواد الأرشيفية المعروضة، بل ظل اسمه وعوده وذكراه جزءاً من المعنى العميق للعودة.
تكريم رسمي ودرع المحافظات
شهد الحفل حضور عدد من الوزراء والسفراء والشخصيات الرسمية والفنية والإعلامية.
ومن بين الفنانين والمثقفين الذين وردت أسماؤهم في التغطيات: يارا صبري، ووفاء موصلي، وجهاد عبدو، وماهر صليبي، ونوار بلبل، وروزينا لاذقاني، والكاتب والسيناريست سامر رضوان.
وصعد وزير الثقافة السوري محمد ياسين صالح إلى المسرح لتكريم أصالة، وقدم لها درعاً يحمل رموز المحافظات السورية.
ووصفها بأنها «بنت الشام»، معتبراً أن عودتها تمثل عودة كل إنسان سوري صادق وحر إلى بلده، وأنها تجسد انتصار المظلوم على الظالم.
هتافات وزغاريد وألعاب نارية
لم تقتصر الأمسية على الغناء؛ فقد شهدت زغاريد ولوحات دبكة وتفاعلاً جماعياً واسعاً، واختُتمت بألعاب نارية.
كما ردد بعض الحاضرين هتافات سياسية ضد بشار الأسد، من بينها: «ما في للأبد.. سقط بشار الأسد»، في استعادة واضحة للخلفية التي ارتبط بها غياب أصالة عن سوريا.
وانتشرت على المنصات مقاطع لعبارة «ضرب الخناجر ولا حكم النذل فيّا»، وحمّلها المتابعون دلالة سياسية تتجاوز معناها التراثي، خصوصاً في ليلة ارتبطت عاطفياً بموقف أصالة السابق من النظام المخلوع.
جدل سبق الحفل واستمر بعده
لم تمر عودة أصالة من دون جدل. فقد سبقت الحفل اعتراضات على أسعار التذاكر قياساً إلى مستوى دخل السوريين، وانتقادات لإقامة حفل ضخم في ظل الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة.
كما أثير نقاش حول الحفاوة الرسمية التي رافقت عودتها، وتداولت المنصات صوراً لملصقات الحفل بعد تمزيق بعضها أو إزالتها من شوارع دمشق.
وظهرت كذلك اعتراضات دينية واجتماعية على إقامة الحفلات الغنائية، في مقابل أصوات رأت في الحدث خطوة ضرورية لاستعادة الحياة الثقافية والفنية وفتح أبواب المسارح أمام السوريين بعد سنوات طويلة من الحرب والقمع والانغلاق.
كما انتشرت أخبار متضاربة عن حفل ثانٍ قيل إنه كان مقرراً ثم أُلغي، لكن لم يظهر إعلان رسمي واضح يثبت وجود موعد ثانٍ مستقل قبل إلغائه؛ ولذلك بقيت المعلومة في إطار ما جرى تداوله، بينما ظل الحفل المؤكد هو أمسية 17 سبتمبر في صالة الفيحاء.
عندما وحدت الموهبة السوريين
رغم كل الجدل والانقسام الذي سبق الحفل ورافقه، استطاعت أصالة بموهبتها وصوتها وحضورها أن تجمع السوريين حول لحظة فنية نادرة.
لم تُلغِ الأمسية اختلافاتهم، ولم تُنهِ النقاشات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، لكنها منحتهم، ولو لساعات، مساحة مشتركة يتقدم فيها صوت الموسيقى على ضجيج الخلاف.
غنى معها القادمون من بيئات ومحافظات مختلفة، وردد كلماتها من حضروا داخل الصالة ومن تابعوها خلف الشاشات وفي بلدان الاغتراب.
وفي الألبوم الذي تنقل بين لهجات سوريا وتراث مناطقها، بدت أصالة كأنها تحاول إعادة رسم البلاد بصوت واحد متعدد الألوان، لا يمحو خصوصية أي منطقة، بل يضعها إلى جانب غيرها ضمن مشهد سوري جامع.
لقد فعلت الموهبة في تلك الليلة ما تعجز عنه أحياناً الخطب والشعارات؛ جمعت ذاكرة دمشق وحلب وحوران والسويداء والساحل والجزيرة والبادية والريف، وربطت بين السوريين في الداخل وأولئك الذين فرقتهم المنافي.
وحتى الذين انتقدوا الحفل أو تحفظوا على بعض تفاصيله وجدوا أنفسهم جزءاً من النقاش الواسع الذي صنعته عودة أصالة.
لم تكن الوحدة التي صنعها الحفل وحدة سياسية كاملة أو اتفاقاً على كل شيء، بل كانت وحدة وجدانية مؤقتة، لكنها حقيقية؛ لحظة التقى فيها السوريون عند صوت يعرفونه منذ عقود، وعند فنانة حملت اسم بلدها في مسيرتها وظلت عودتها إليه حلماً مؤجلاً.
عودة تتجاوز حدود المسرح
في المحصلة، كانت ليلة «عودة الأصالة» أكثر من حفل غنائي ناجح. كانت مواجهة بين الغياب والذاكرة، وبين سنوات القطيعة ولحظة اللقاء.
امتزج فيها صوت أصالة بصورة والدها ودموع والدتها وفرح أبنائها وهتافات الجمهور، واجتمعت على خشبتها أغنياتها القديمة مع تراث المحافظات السورية.
قد يختلف السوريون حول توقيت الحفل وأسعاره وحجمه ورسالته السياسية، لكن من الصعب تجاهل أثره وحجم التفاعل الذي صنعه.
فقد أثبتت أصالة أن الفنان الحقيقي لا يعود إلى وطنه بجواز سفر أو بموعد على المسرح فقط، بل يعود حين يستعيد مكانه في ذاكرة الناس ووجدانهم.
وبين دموع البداية والألعاب النارية في الختام، بدا أن أصالة لم تعد وحدها إلى دمشق؛ بل أعادت معها شيئاً من صورة سوريا التي يحبها أبناؤها: متنوعة اللهجات والألوان، مثقلة بالجراح، لكنها ما تزال قادرة على الغناء والفرح والاجتماع حول صوت واحد.

More Stories
تدمر تتحدث بلغة الفن المعاصر في البندقية
أصالة تعانق جمهور دمشق في الفيحاء… عودة بعد 15 عاماً من الغياب
أصالة تعيد فتح خزانة الذاكرة السورية.. لمن تنتمي الأغنية الشعبية؟