مايو 30, 2026

تصدر عن مؤسسة جوليا دومنا برس للطباعة والنشر

هل يتحول “الواي فاي” إلى أداة مراقبة خفية؟ تقنية جديدة قادرة على التعرف على الأشخاص دون هواتف أو كاميرات

لم تعد المراقبة مرتبطة بالكاميرات فقط، فالتطور السريع للذكاء الاصطناعي قد يمنح شبكات الواي فاي القدرة على "رؤية" الأشخاص عبر بصمتهم اللاسلكية، ما يضع الخصوصية الرقمية أمام تحديات جديدة وغير مسبوقة.

في وقت أصبحت فيه شبكات الواي فاي جزءاً أساسياً من الحياة اليومية، حذر باحثون ألمان من أن هذه التقنية قد تتجاوز دورها التقليدي في توفير الاتصال بالإنترنت لتتحول إلى وسيلة متطورة للتعرف على الأشخاص وتتبع تحركاتهم دون علمهم.
وأظهرت دراسة أجراها باحثون في معهد كاستل لأمن المعلومات والموثوقية التابع لـ معهد كارلسروه للتكنولوجيا في ألمانيا أن إشارات الواي فاي العادية، عند دمجها بخوارزميات الذكاء الاصطناعي، يمكن أن تكشف هوية الأفراد بدقة عالية حتى في حال عدم حملهم أي جهاز إلكتروني نشط.
كيف تعمل التقنية؟
تعتمد الفكرة على تحليل الطريقة التي تنتشر بها الموجات اللاسلكية داخل المكان. فعندما يتحرك شخص داخل غرفة أو ممر، تتغير خصائص الإشارات المنعكسة عن جسمه بشكل فريد يشبه البصمة الرقمية.
ويشرح الباحث ثورستن شتروفه أن النظام يعمل بطريقة مشابهة للكاميرات التقليدية، لكنه يستخدم الموجات الراديوية بدلاً من الضوء، ما يتيح له رصد الأشخاص والتعرف عليهم دون الحاجة إلى صور أو تسجيلات مرئية.
ووفقاً للباحثين، لا يشترط أن يحمل الشخص هاتفاً ذكياً أو جهازاً متصلاً بالشبكة، إذ تكفي الإشارات اللاسلكية الصادرة عن الأجهزة المحيطة لإنشاء صورة رقمية عن البيئة والأشخاص الموجودين فيها.
راوتر منزلي يتحول إلى جهاز مراقبة
ويثير الباحثون مخاوف تتعلق بالخصوصية، إذ يمكن لهذه التقنية أن تجعل من أجهزة التوجيه اللاسلكية المنتشرة في المنازل والمقاهي والمكاتب أدوات مراقبة غير مرئية.
ويحذر الباحث يوليان تودت من أن الشخص الذي يزور مكاناً معيناً بشكل متكرر قد يصبح قابلاً للتعرف عليه تلقائياً من خلال نمط انعكاس الإشارات اللاسلكية الخاصة به، دون أن يدرك أن بياناته يجري جمعها أو تحليلها.
ماذا عن الحكومات ومجرمي الإنترنت؟
ويرى الباحث فيليكس مورسباخ أن جهات الاستخبارات أو القراصنة يمتلكون حالياً وسائل أسهل للمراقبة مثل الكاميرات وأجهزة المراقبة المتصلة بالإنترنت، إلا أن خطورة الواي فاي تكمن في انتشاره الواسع وعدم قدرة معظم الناس على ملاحظة عمله أو إدراك ما يمكن استخلاصه من بياناته.
وأضاف أن الشبكات اللاسلكية قد تتحول مستقبلاً إلى بنية تحتية ضخمة للمراقبة الصامتة، نظراً لوجودها في كل مكان تقريباً، من المنازل والمكاتب إلى المطارات والمراكز التجارية.
دقة مرتفعة وتكلفة منخفضة
وعلى خلاف محاولات سابقة احتاجت إلى أجهزة استشعار متخصصة ومعدات باهظة الثمن، تعتمد التقنية الجديدة على أجهزة الواي فاي التجارية الموجودة بالفعل في معظم المنازل والشركات.
ويستفيد النظام من بيانات فنية تعرف باسم معلومات التغذية الراجعة لتشكيل الحزمة (BFI)، وهي معلومات تتبادلها الأجهزة المتصلة بالشبكة مع جهاز التوجيه لتحسين جودة الاتصال. ويؤكد الباحثون أن تحليل هذه البيانات بواسطة الذكاء الاصطناعي يتيح إنشاء نماذج دقيقة قادرة على تمييز الأشخاص والتعرف عليهم خلال ثوانٍ معدودة.
بين الابتكار والخصوصية
ورغم أن التقنية لا تزال في إطار البحث والتطوير، فإن نتائجها تفتح الباب أمام استخدامات واسعة في مجالات الأمن وإدارة المباني الذكية والرعاية الصحية، لكنها في الوقت ذاته تثير تساؤلات متزايدة حول مستقبل الخصوصية في عالم أصبحت فيه حتى الموجات اللاسلكية قادرة على كشف وجود الإنسان وتحركاته.