يخوض العرض المسرحي المصري «التياترو» مواجهة فنية مع واحدة من أكثر قضايا العصر حضوراً، متسائلاً عن الجهات التي تصنع الوعي وتوجّه الذائقة العامة، وعن الحدود الفاصلة بين الفن الهادف والمحتوى الجماهيري القائم على الإثارة والانتشار السريع.
العرض، الذي تقدمه فرقة المسرح الحديث التابعة للبيت الفني للمسرح، من تأليف أحمد الملواني وإخراج أحمد فؤاد، ويشارك في بطولته نور محمود وأحمد السلكاوي وعبد المنعم رياض وألحان المهدي وهاجر البديوي ومحمد مبروك، في توليفة تجمع الكوميديا والغناء والاستعراض.
وحصد «التياترو» حضوراً لافتاً في الدورة التاسعة عشرة من المهرجان القومي للمسرح المصري، حيث نال أحمد فؤاد جائزة أفضل إخراج مناصفة مع عرض «متولي وشفيقة»، فيما تقاسمت ألحان المهدي جائزة أفضل ممثلة في دور ثان، وحصل أحمد السلكاوي مناصفة على جائزة أفضل ممثل في دور ثان.
صراع بين الموهبة وصناعة الشهرة
تنطلق الحكاية من مسابقة فنية وهمية يديرها المنتج سامي السمح، الذي يحوّل أحلام الشباب إلى مادة للربح وجذب الانتباه عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وعلى الرغم من اختيار لجنة التحكيم عملاً للمخرج الشاب آدم مندور، يفاجأ الجميع بإعلان فوز متسابق آخر يفتقر إلى الموهبة.
تدفع الصدمة آدم إلى التفكير في هجر الفن، قبل أن تدخل دنيا إلى حياته وتعيد فتح نافذة الأمل أمامه. وهي ابنة الفنان المخضرم بسيوني المنياوي، النجم السابق في فرقة «اللورد»، الذي انتهى به المطاف حارساً لمسرح فرقته القديمة بعدما أغلقت أبوابها تحت وطأة المنافسة والظروف المالية.
ومع اتجاه مالك المسرح إلى بيعه بسبب الديون المتراكمة، تتشكل فكرة إعادة إحياء فرقة «اللورد»، ويلتف أعضاؤها القدامى والجدد حول آدم، واضعين ثقتهم في مشروعه لتقديم مسرح قادر على استعادة الجمهور من دون اللجوء إلى الابتذال أو الإثارة المصطنعة.
لكن عودة الفرقة تثير مخاوف سامي السمح، الذي يرى في نجاحها تهديداً لنموذجه التجاري القائم على إنتاج محتوى سريع الاستهلاك. ومن هنا تبدأ مواجهة بين فريقين يمثلان رؤيتين متناقضتين للفن: الأولى تتعامل معه بوصفه سلعة هدفها الانتشار والربح، والثانية تتمسك بدوره في بناء الوعي والارتقاء بالذائقة.
رسالة تتجاوز الكوميديا
لا يكتفي «التياترو» بالسخرية من ظاهرة المحتوى السريع، بل يطرح أسئلة أوسع بشأن هوية من يتحكم في صناعة ما يشاهده الجمهور، وكيف يمكن لمنصات الشهرة والانتشار أن تعيد تشكيل المعايير الفنية والثقافية في المجتمع.
ويعتمد العمل على مزيج من التمثيل والغناء والاستعراض لتقديم رسالته بعيداً عن المباشرة، مع حضور لافت للعناصر الموسيقية والأدائية التي تسهم في إبراز الصراع بين الفن الجاد والمنتج الاستهلاكي.
وعلى المستوى التقني، يوظف العرض الأزياء والمكياج والموسيقى في بناء عالمه المسرحي، فيما تؤدي الإضاءة دوراً أساسياً في الانتقال السريع بين المشاهد والديكورات، من خلال توزيع الضوء والظلام على أجزاء الخشبة بما يسمح بتغيير الفضاء المسرحي من دون إبطاء إيقاع الأحداث.
وبين السخرية والاستعراض، يقدم «التياترو» دفاعاً عن قدرة المسرح على البقاء في زمن المنصات والمحتوى الخاطف، واضعاً الجمهور أمام سؤال يتجاوز حدود الخشبة: هل يصنع الفن وعي الناس، أم أن ما يحقق المشاهدات بات هو الذي يحدد شكل الفن؟
«التياترو».. المسرح في مواجهة المحتوى السريع وصناعة الوعي
«التياترو» مواجهة مسرحية ساخرة بين الفن الهادف وسطوة المحتوى السريع، تطرح أسئلة عن صناعة الوعي وتشكيل ذائقة الجمهور.

More Stories
«جدران» لمصعب عيسى.. حكايات مخيم درعا تستعيد ذاكرة اللجوء وحلم العودة
شقيق الأميرة ديانا يفتح خزائن الذاكرة في كتاب جديد قبل الذكرى الثلاثين لرحيلها
صلاح القصب يرحل عن 81 عاماً.. رائد «مسرح الصورة» الذي غيّر لغة الخشبة العراقية