أكتوبر 17, 2026

تصدر عن مؤسسة جوليا دومنا برس للطباعة والنشر

بمذاق الوطن… عائلة من غزة تبني مستقبلاً جديداً في المكسيك

حملوا من غزة وجع الفقد ومذاق البيت… وفي أسواق المكسيك، صار الطعام الفلسطيني رزقاً يحفظ الجذور ويفتح باباً لحياة جديدة.

لم تنتهِ الحرب داخل محمد عابد حين غادر غزة. ففي مكسيكو سيتي، حيث يحاول بناء حياة جديدة مع عائلته، لا يزال أزيز الطائرات وهزيم الرعد يعيدان إليه الخوف الذي عاشه في القطاع، وذكرى ابنته ذات الأعوام الأربعة التي قُتلت في غارة جوية إسرائيلية. ومع ذلك، يجد في إعداد الطعام الفلسطيني وبيعه فرصة للعمل والاستقرار، وصلةً بوطن اضطر إلى مغادرته.
ويروي تقرير لوكالة رويترز قصة عابد، وهو مهندس أنظمة فلسطيني يبلغ من العمر 36 عاماً، وصل إلى العاصمة المكسيكية برفقة 17 فرداً من عائلته، بعد رحلة طويلة من محاولات الإجلاء والإجراءات والمفاوضات. وفي بلد بعيد عن غزة، أصبحت أطباق الحمص ومتبل الباذنجان والفلافل والشاورما والكباب مصدر رزق، وباباً للتعارف مع مجتمع جديد.
قبل شروق الشمس كل ثلاثاء، يحمّل عابد دراجته ثلاثية العجلات المزودة بمحرك بالأطعمة التي يعدّها، ثم يتجه إلى سوق مفتوحة في منطقة كونديسا، أحد أكثر أحياء مكسيكو سيتي تنوعاً ثقافياً. هناك يبدأ نهاره منشغلاً بالعمل واستقبال الزبائن، بعدما كانت أيامه في غزة محكومة بالخوف من القصف.
لكن الشعور بالأمان لا يمحو آثار التجربة بسهولة. ويصف عابد كيف يعيد صوت الطائرة إلى ذهنه ما مرّ به، وكيف يستجيب جسده للخوف قبل أن يتمكن من التفكير؛ ففي غزة كان ذلك الصوت يعني أن كارثة قد تقع في أي لحظة، أما في المكسيك فيظل تذكيراً مؤلماً بما فقده ونجا منه.
وتعود بداية رحلة العائلة إلى والده، كمال عابد، الذي هاجر إلى المكسيك قبل أكثر من عشر سنوات هرباً من الصراع في غزة، وحصل لاحقاً على الجنسية المكسيكية. وبعد اندلاع الحرب عام 2023، بدأ يسعى لإخراج أفراد أسرته من القطاع، وسافر إلى مصر عام 2024 لمحاولة ترتيب إجلائهم.
غير أن كمال توفي بأزمة قلبية قبل أن يتمكن من استكمال الإجراءات، لتفقد العائلة الأب الذي كان يعمل على تأمين خروجها. وتولى ابنه شادي، شقيق محمد، مواصلة الجهود، مستعيناً بمنظمات مدنية ومحامين مختصين باللجوء في المكسيك، حتى تمكّن من الحصول على تصاريح سفر لـ18 فرداً من الأسرة، بينهم أطفال.
وبعد أشهر من الإجراءات والمفاوضات لمغادرة غزة، عبر أفراد العائلة إلى الأردن، ثم انتقلوا إلى تركيا، قبل الوصول إلى مكسيكو سيتي في مايو/أيار 2025. وهناك حصلوا جميعاً على إقامات دائمة، وبدأوا البحث عن سبل للاستقرار وتأمين معيشتهم.
ولا يطمح محمد، كما يقول، إلا إلى العيش بسلام مثل أي إنسان. ومع مرور الوقت، أخذ يجد مكانه بين زبائن السوق، الذين يقبلون على أطباقه الفلسطينية ويتأثرون بقصته. وبات يبيع منتجاته أيضاً أيام الأحد في سوق أخرى بالعاصمة، فيما يساعد زوجته في إعداد موائد من الطعام الفلسطيني للمناسبات الخاصة.
ويمتد العمل بالطعام إلى شقيقه الأصغر فادي، الذي يبيع بدوره الأطباق الفلسطينية في مكسيكو سيتي. وبفضل شخصيته المرحة ومقاطع الفيديو التي ينشرها بالإسبانية، بلهجة أجنبية واضحة، نجح في جذب نحو 48 ألف متابع على إنستغرام عبر حساب يحمل اسم «ابن فلسطين»، يوثّق من خلاله تطور مشروعه وتواصله مع الناس.
وبحسب التقرير، يبلغ عدد الفلسطينيين الذين يقيمون في المكسيك بعد نزوحهم بسبب الحرب نحو 160 شخصاً. وتشير بيانات رسمية إلى أن وصولهم رفع عدد الفلسطينيين في البلاد إلى قرابة الضعف مقارنة بعام 2022. ويظل هذا العدد محدوداً أمام حجم النزوح الذي تسببت به الحرب، إذ شُرّد نحو 1.9 مليون فلسطيني، بقي معظمهم داخل القطاع، بينما يعيش كثير ممن غادروه في مصر والأردن.
ورغم بدء حياة جديدة، لم تكتمل رحلة العائلة إلى الأمان. فما زال محمد يسعى إلى إجلاء شقيقتيه من غزة، وتواصل الأسرة جهودها للمّ شمل المزيد من أفرادها، بينما تمضي في العمل وتربية الأطفال والتأقلم مع البلد الذي استقبلها.
وفي مايو/أيار، وُلد ابنه الأصغر يوسف في مكسيكو سيتي، وحصل تلقائياً على الجنسية المكسيكية. وبالنسبة إلى والده، تجمع هذه البداية بين الانتماء إلى بلد الولادة والجذور الفلسطينية التي يريد أن تبقى حاضرة في حياة ابنه.
وبين أسواق العاصمة وموائد العائلة، يمنح الطعام الفلسطيني هذه الأسرة وسيلة لكسب العيش وحفظ شيء من حياتها السابقة. فكل طبق يحمل مذاقاً يعرفونه، ويتيح لقاءً جديداً مع زبائن يتعرفون من خلاله إلى فلسطين، وإلى عائلة تحاول أن تمنح أبناءها مستقبلاً أكثر أمناً.