في عالمٍ يزداد ضجيجاً كل يوم، تبدو الحقيقة أكثر هشاشة من أي وقت مضى.
لا لأن الناس فقدوا القدرة على الكلام، بل لأن من يقول الحقيقة كاملةً ما يزال يدفع ثمنها باهظاً.
يأتي اليوم العالمي لحرية الصحافة في الثالث من مايو/أيار كل عام، فيما تستمر الحكومات والسلطات والجماعات المسلحة وشبكات النفوذ حول العالم في التعامل مع الصحافة الحرة بوصفها خطراً يجب احتواؤه، أو صوتاً يجب إسكاتُه، أو شاهداً ينبغي التخلص منه.
ففي كل مرة يُعتقل فيها صحفي لأنه كتب، أو يُنفى لأنه كشف، أو يُغتال لأنه وثّق، تتعرّى كل الشعارات التي تتغنّى بحرية التعبير، وينكشف الفرق الهائل بين النصوص الدستورية والواقع.
لقد تغيّرت أدوات القمع، لكن جوهرها لم يتغير:
فإذا كانت الرقابة قديماً تُمارَس بالمقصّ والمنع، فهي اليوم تُمارَس بالتشويه، والتحريض، والخنق الاقتصادي، والجيوش الإلكترونية، والإغراق بالفوضى المعلوماتية حتى تختنق الحقيقة وسط الضجيج.
وفي مفارقة مريرة، لم يعد الخطر على الصحافة يأتي فقط من الأنظمة القمعية، بل أيضاً من عصرٍ رقميّ باتت فيه الأكاذيب أسرع انتشاراً من الوقائع، والمحتوى المضلل أكثر ربحاً من التحقيقات الجادة، والضجيج أعلى صوتاً من الحقيقة.
إن حرية الصحافة ليست شأناً نقابياً يخص الصحفيين وحدهم؛
إنها المعيار الأخلاقي الأول لأي دولة، وأي مجتمع، وأي سلطة.
فحيث تُقمع الصحافة، تُدفن الحقيقة أولاً… ثم تُدفن العدالة بعدها.
في هذا اليوم، لا يكفي أن نحتفي بحرية الصحافة بوصفها قيمة رمزية،
بل يجب أن نعترف بحقيقتها الصادمة:
ما تزال الكلمة الحرة، في أجزاء واسعة من العالم، جريمة غير معلنة.

More Stories
الرباط تفتح أبوابها لعشّاق المعرفة
في ذكرى رحيله… نزار قباني: شاعرٌ رحل وبقيت القصيدة تنبض
تونس تفتح أبوابها للعالم عبر الكتاب…