مايو 1, 2026

تصدر عن مؤسسة جوليا دومنا برس للطباعة والنشر

في ذكرى رحيله… نزار قباني: شاعرٌ رحل وبقيت القصيدة تنبض

جوليا دومنا برس

بعضُ الشعراء يموتون جسداً… وبعضُهم يتحوّلون إلى زمنٍ كاملٍ لا يُطوى.

في الثلاثين من أبريل، حين يتنفس الربيعُ آخر أنفاسه في المدن الباردة، يقف العالمُ العربي لحظةَ صمتٍ وحنين، يستعيد فيها روحَ الشاعر السوري الكبير نزار قباني. ذلك الرجلُ الذي لم يكتبِ الشعرَ بالحبر وحده، بل كتبه بعطر الياسمين الدمشقي، وبجمرِ الأسئلة التي لم تُجَب، وبخفقاتِ قلوب لا تزال تدقّ على إيقاع أبياته حتى اليوم. منذ رحيله عام 1998، لم يغادرنا نزار حقاً فهو لم يمت، بل تحوّل كما تتحوّل زهور الياسمين إلى عطرٍ يسري في هواء اللغة العربية إلى ما لا نهاية.

١ — طفلٌ في دمشق… وعاشقٌ لم يشفَ منها
وُلد نزار توفيق قباني عام 1923 في أحضان دمشق، تلك المدينة التي لم تكن في نظره مجرد مسقط رأس، بل كانت أمّاً وعشيقةً في آنٍ واحد.

دمشق بياسمينها الأبيض الفائر، وأزقتها المتعرجة كالأسرار، وبيوتها التي تفوح منها رائحة الماضي والقهوة والورد كلّ ذلك تشرّبه الطفلُ نزار حتى غدا الدمَ الأول في قصيدته والنبضَ الذي لم يهدأ.


نشأ في كنف أسرة عُرفت بانخراطها في الهمّين الوطني والثقافي، فشرب الحرفَ من بيئته كما يشرب الياسمينُ الندى في فجر دمشق. وانصرف إلى الكتابة مبكراً، قبل أن يُطلّ على العالم الأدبي بديوانه الأول “قالت لي السمراء” عام 1944، فاتحاً بذلك نافذةً جديدة في قصر الشعر العربي، تدخل منها الشمس ولا تدخل التقاليد المتحجّرة.


لم يعد الشعر معه خطاباً نخبوياً مغلقاً تقف أمامه الجماهير في حيرة، بل صار فناً يومياً حميماً يُكتب على دفاتر العشاق، ويُتداول في أحاديث الأصدقاء، ويُورَث من جيل إلى جيل كما تُورث الأغنية. لم يسعَ إلى أن يُدرَّس في مقررات النقد الأكاديمي، بل سعى بوعيٍ حادّ وغريزةٍ شعرية فريدة إلى أن تحفظه قلوبُ الناس. وقد فعلوا، وحفظوه في أعمق لحظات الوجد والجراح.

المرأةُ… والقصيدةُ كموقفٍ حضاري
اشتُهر قباني بوصفه شاعرَ الحب والمرأة، وهي شهرة حقيقية ومستحقة، غير أنها لا تُنصف عمقَ مشروعه. فالمرأة في شعره لم تكن مجرد موضوع غزلي يُزيّن به قوافيه، بل كانت رمزاً شامخاً للحرية والجمال والتمرد على كل ما يُقيّد الروح ويُخصي الإنسان. رأى فيها حقَّ الإنسان في أن يحيا كاملاً، غير مُكبَّل بالخوف وغير مسجون في انتظار إذن المجتمع.


كانت قصائده في المرأة موقفاً ثقافياً قبل أن تكون كلمات، وثورةً صامتة قبل أن تكون أوزاناً وقوافٍ. أثار ذلك جدلاً حاداً في زمنه، ورأى فيه المنصفون صوتاً تحررياً نبيلاً سبق عصره بعقود. وقد تجرّعَ ثمن جرأته سيلاً من الهجوم، لكنه لم يتراجع ولم يُجامِل لأن الشاعر الحقيقي لا يكتب ما يُريح، بل يكتب ما يُحرِّر.

من الرومانسية إلى الجرح السياسي
لكنّ نزار قباني لم يكن شاعرَ الورد والمشاعر الرقيقة فحسب. ففي أعقاب هزيمة عام 1967، التي أوجعت الضميرَ العربي حتى النخاع وكسرت ما بقي من أوهام الكبرياء، انزاح الشاعرُ من دفء القصيدة الغزلية إلى حرارة النصّ السياسي المتّقد, وكان ذلك تحوّلاً مؤلماً عميقاً ليس انقلاباً على الجمال، بل اكتشافاً موجعاً بأن الجمال الحقيقي لا يمكن أن يُزهر في بلادٍ لا كرامة فيها.


كتب بغضبٍ نبيل وبحزنٍ مؤجَّل، هاجم أنظمةَ القمع والاستبداد، ونعى الهزيمةَ الفكرية قبل العسكرية، وطرح أسئلةً لا تزال مؤلمةً حاضرة كأنها كُتبت أمس. كانت قصائدُه السياسية صرخةَ مثقفٍ رفض الصمتَ المريح واختار الحقيقةَ الموجعة، فكرّسته صوتاً شعرياً يتجاوز حدود الجماليات إلى فضاء النقد الحضاري الجريء.

حين تغنّت به الأصوات الكبار
ولعلّ من أبرز ما منح إرثَ قباني خلوداً فوق خلوده، أن كبارَ الفنانين العرب تسابقوا إلى تلحين قصائده وغنائها، فتحوّلت الأبياتُ الكلمات إلى أجنحة تطير بها الأغنية إلى أقصى الوجدان. في مقدمة هؤلاء كاظم الساهر، الذي ارتبط اسمه بقباني ارتباطاً فنياً نادراً جعل من بعض القصائد أيقوناتٍ بصوتين لا بصوت واحد، إلى جانب عبد الحليم حافظ الذي أعطى (قارئة الفنجان)عمراً لا ينتهي، ونجاة الصغيرة وسواها ممن حملوا الكلمة على نغم فسرت إلى حيث لا تصل الكتب وحدها.

دمشق… التي لم يغادرها حتى وهو في لندن
رحل نزار قباني جسداً عن لندن في أبريل 1998، بعيداً عن دمشقه التي أحبّها حتى أوجعه البُعد عنها. لكنّ دمشق لم تغادر روحه لحظةً واحدة. فهي التي علّمته كيف تشمّ الكلمة رائحة الياسمين، وكيف تحمل الجملةُ الشعريةُ ثقل الغياب وخفّة الحنين معاً. كتبها حتى تحوّلت في شعره إلى مدينة أسطورية، لا يُوقفها زمن ولا يُبليها نسيان.


لقد رحل الشاعر، لكنّ دمشقه لا تزال حيّةً في أبياته تلك الدمشق المصنوعة من الياسمين والأسرار والحجارة الذاكرة تُقرأ اليوم في أمستردام وأبوظبي وبغداد وباريس، كأنها كُتبت للتوّ.

ظاهرةٌ لا تُعاد
في ذكرى رحيله، لا يُستعاد نزار قباني بوصفه شاعراً كبيراً مضى وانقضى، بل يُستعاد علامةً فارقة في تاريخ الشعر العربي الحديث، وظاهرةً إبداعية نادرة نجحت في آنٍ واحد أن تكون شعرَ النخبة وشعرَ الشارع، صوتَ الرومانسية وصوتَ السياسة، وهمسَ الفرد وصرخةَ الأمة.
بعضُ الشعراء يكتبون القصيدةَ ويمضون
وبعضُهم يتحوّلون إلى القصيدة ذاتها
ونزار… لم يكتب الشعر
نزار كان الشعر
رحل نزار قباني، لكنّ القصيدةَ التي كتبها للحب والحرية والمرأة ودمشق وياسمينها والإنسان العربي ما زالت تنبض وتتنفس وتُقرأ كما لو أنها وُلدت للتوّ، وكما لو أن الموت لم يجرؤ يوماً على اقتحامها.