سبتمبر 11, 2026

تصدر عن مؤسسة جوليا دومنا برس للطباعة والنشر

لاورنسكيرك.. ذاكرة روتردام التي نهضت من الرماد وفتحت نوافذها على العالم

كنيسة لاورنسكيرك في روتردام، حيث تتجاور ذاكرة المدينة التاريخية مع الكتب ورموز وثقافات وأديان متعددة.

روتردام -خاص ـ جوليا دومنا برس

في قلب مدينة تبدو للوهلة الأولى شديدة الحداثة، بأبراجها الزجاجية وعمارتها الجريئة، تقف كنيسة لاورنسكيرك الكبرى كقطعة نجت من روتردام أخرى؛ مدينة قديمة محتها الحرب إلى حد بعيد، وبقيت الكنيسة شاهدة على ما كان، وعلى قدرة المكان على أن يكتسب مع مرور الزمن معاني تتجاوز وظيفته الأولى.
فداخل الجدران الحجرية للكنيسة لا يلتقي الزائر بتاريخ المسيحية والمدينة فحسب، وإنما يجد سردًا يمتد من روتردام في العصور الوسطى إلى الحرب العالمية الثانية، ومن تاريخ هولندا في آسيا إلى مشاهد من الأديان والثقافات التي يتشكل منها مجتمع المدينة المعاصر.
وبين الكتب والنصب والرسوم والنوافذ التي تخفي وراء أبوابها حكايات ومناسبات دينية مختلفة، تبدو لاورنسكيرك اليوم أقرب إلى ذاكرة مفتوحة لمدينة تعلمت أن تجعل من تاريخها مساحة للحوار مع الحاضر.
الكنيسة الباقية من روتردام القديمة
شُيدت غروته أوف سينت لاورنسكيرك (Grote of Sint-Laurenskerk) على مراحل خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر، وأصبحت مع الزمن أحد أبرز معالم المدينة.


لكن قيمتها التاريخية تضاعفت بصورة استثنائية بعد أن اختفى معظم مركز روتردام القديم خلال الحرب العالمية الثانية، لتبقى الكنيسة واحدة من أهم الروابط المعمارية بين المدينة الحديثة وماضيها.
ولبرجها بدوره تاريخ طويل من التحولات. فقد تغير شكله مرارًا على مدى القرون، وواجه في القرن السابع عشر مشكلات إنشائية استدعت أعمال تدعيم وتقويم. وتعرض إحدى اللوحات داخل الكنيسة رسومات متتابعة للبرج في مراحل تاريخية مختلفة، في توثيق لمسيرة مبنى تغير مرارًا قبل أن يواجه أخطر لحظاته في القرن العشرين.
14 مايو.. اليوم الذي تغيرت فيه المدينة
في 14 مايو/أيار 1940 تعرضت روتردام لقصف ألماني مدمر أدى إلى اندلاع حرائق واسعة وتدمير جزء كبير من مركزها التاريخي.
وكانت لاورنسكيرك بين المباني التي أصابها الدمار بشدة؛ احترق سقفها وتضررت أجزاؤها الداخلية، بينما بقيت جدرانها وبرجها ترتفع وسط بحر من الأنقاض.
تحولت صورة الكنيسة وسط المدينة المدمرة إلى واحدة من الصور التي اختزلت مأساة روتردام.

آثار الدمار الذي خلفته الحرب العالمية الثانية


وبعد الحرب، اتُخذ القرار بإعادة بناء الكنيسة بدل التخلي عنها. بدأت أعمال الترميم عام 1947، ووضعت الملكة يوليانا حجر الأساس لمرحلة من إعادة إعمارها في مايو/أيار 1952، لتستمر العملية سنوات طويلة حتى أواخر ستينات القرن الماضي.
ومن هنا تكتسب العبارة المعروضة داخلها، «نصب نهض من الرماد»، معناها الكامل. فلم يكن الذي عاد إلى الحياة مجرد مبنى ديني، وإنما جزء من هوية مدينة كانت تعيد بناء نفسها من تحت ركام الحرب.
من روتردام إلى فورموزا
غير أن التجول في الكنيسة يقود إلى حكايات أبعد كثيرًا من حدود هولندا.
فعلى أحد الجدران يظهر نصب تذكاري غير مألوف، تتصدره تماثيل برونزية وتعلوه رسوم ضخمة لشخصيات أوروبية وآسيوية وجنود وأسرى ومشاهد عنف.
وتحمل اللوحة اسم أنتونيوس هامبروك، رجل الدين الهولندي الذي ارتبط اسمه بفورموزا، الاسم التاريخي الذي استخدمه الأوروبيون لتايوان.
ويقرأ الزائر على النصب:
«تخليدًا لذكرى أنت هامبروك، واعظ في فورموزا، 1607–1661».

تخليدًا لذكرى أنت هامبروك، واعظ في فورموزا، 1607–1661
تخليدًا لذكرى أنت هامبروك، واعظ في فورموزا، 1607–1661
الرموز المسيحية في الكنيسة


عمل هامبروك مبشرًا في فورموزا خلال مرحلة الوجود الهولندي في الجزيرة في القرن السابع عشر، وارتبطت نهايته بالصراع الذي أدى إلى سقوط الحكم الاستعماري الهولندي هناك أمام قوات القائد الصيني تشنغ تشنغ قونغ، المعروف في المصادر الأوروبية باسم كوكسينغا.
وتروي الرواية التاريخية التي خُلّدت لاحقًا في هولندا أن هامبروك وقع في الأسر وأُرسل إلى الهولنديين المحاصرين لنقل مطالب بالاستسلام، لكنه لم يدفعهم إلى الاستسلام، قبل أن ينتهي مصيره بالإعدام عام 1661.
أما الرسوم التي ترتفع فوق النصب فتقدم القصة في مشاهد متعاقبة، حتى يبدو الجدار كصفحة مصورة من كتاب تاريخي.
لكن هذا النصب يمكن قراءته اليوم من زاوية أوسع من الرواية التي أنشئ لتخليدها؛ فهو يفتح أيضًا بابًا على تاريخ هولندا الاستعماري في آسيا، وعلى مرحلة تشابكت فيها التجارة والتبشير الديني والقوة العسكرية والمصالح الاستعمارية.
«الذي علّم بالقلم».. العربية في قلب الكنيسة
ثم يفاجئ المكان زائره بمشهد مختلف.
خلف واجهات زجاجية ترتفع الكتب بلغات متعددة، وبين كلمات هولندية وإنجليزية وإسبانية ولاتينية، تظهر العبارة العربية واضحة:
«الذي علّم بالقلم».
وهي عبارة قرآنية من سورة العلق، تأتي في سياق الآيات الأولى التي تربط القراءة والعلم بالقلم والمعرفة.

كتابة تعبر عن التسامح الديني داخل الكنيسة

وجود العبارة العربية وسط هذا الفضاء المخصص للكتب لا يبدو تفصيلًا زخرفيًا عابرًا، بل ينسجم مع فكرة المعرفة التي تجمعها المكتبة من ثقافات ولغات مختلفة.
وبذلك يصبح الكتاب نفسه عنصرًا جامعًا، بصرف النظر عن اللغة أو الخلفية الثقافية لمن كتبه أو يقرؤه.
نافذة تفتح على مكة
وفي موضع آخر داخل الكنيسة، يجد الزائر مجموعة من النوافذ أو الخزائن التي يمكن فتحها، لتظهر وراءها موضوعات مرتبطة بمناسبات وممارسات دينية تنتمي إلى تقاليد مختلفة.
إحدى هذه النوافذ تقود مباشرة إلى الإسلام.
في وسطها تظهر صورة للكعبة المشرفة في مكة، تحيط بها سُبح وسجاد ذو زخارف شرقية وعناصر بصرية أخرى، بينما تحمل الأبواب المحيطة صورًا تستدعي رموزًا وموضوعات مرتبطة بالموروث الديني.

صورة للكعبة وسُبح وسجاد ضمن إحدى نوافذ العرض داخل لاورنسكيرك، في مساحة تقدم للزوار جوانب من تقاليد دينية مختلفة.


المشهد لافت؛ صورة الكعبة داخل كنيسة مسيحية تاريخية في قلب روتردام.
لكن دلالته تصبح أكثر وضوحًا عند النظر إليه ضمن بقية المعروضات. فالغاية ليست تحويل هوية الكنيسة، وإنما تقديم مساحة يتعرف فيها الزائر إلى تقاليد ومناسبات دينية مختلفة تعيش جنبًا إلى جنب في المدينة.
وهكذا ينتقل الزائر، عبر فتح نافذة صغيرة، من تاريخ المسيحية الأوروبية إلى التعرف على جانب من الثقافة الإسلامية، في مدينة أصبح التنوع جزءًا أساسيًا من هويتها المعاصرة.
الكنيسة والمدينة الجديدة
هنا ربما تكمن المفارقة الأجمل في لاورنسكيرك.
فالمبنى الذي بدأ قبل قرون كنيسة مسيحية، وشهد صعود روتردام وتحولاتها، وكاد يختفي في نار الحرب، يحتفظ اليوم بتاريخه من دون أن يغلق أبوابه على الماضي.
بين جدرانه تجتمع طبقات متباعدة من الذاكرة: العمارة المسيحية في أوروبا، وتاريخ هولندا وراء البحار، والحرب والدمار وإعادة الإعمار، والكتاب والمعرفة، ثم حضور ثقافات وأديان متعددة أصبحت جزءًا من روتردام الحالية.
ولذلك قد تكون رؤية لاورنسكيرك من الخارج غير كافية لفهمها.


فخارجها تقف كنيسة تاريخية وسط واحدة من أكثر المدن الهولندية حداثة، أما داخلها فتتكشف مدينة كاملة: ماضيها وندوبها وتناقضاتها، وصلاتها بالعالم، وسعيها إلى إيجاد لغة مشتركة بين سكانها.
لقد نهضت لاورنسكيرك من رماد الحرب، لكن قيمتها اليوم لا تكمن فقط في أنها نجت من الدمار، بل في أنها تحولت من شاهد على ماضٍ واحد إلى مكان يتسع لسرد حكايات متعددة.
وفي مدينة مثل روتردام، ربما لا توجد صورة أكثر تعبيرًا عن ذلك من نافذة تُفتح داخل كنيسة أوروبية قديمة، فتظهر خلفها مكة.