جدل موسيقي بين التراث السوري و«زوروني كل سنة مرة»
أثار أداء الفنانة السورية أصالة نصري لأغنية «على روض الحبيب» خلال حفلها الأخير في دمشق جدلاً واسعاً، بعدما قدّمتها باعتبارها أغنية من التراث السوري، وتحديداً من الموروث الغنائي في مدينة اللاذقية، بينما رأى موسيقيون مصريون أن لحنها يتشابه بصورة كبيرة مع أغنية «زوروني كل سنة مرة» للموسيقار الراحل سيد درويش.
وسرعان ما تحوّل النقاش على مواقع التواصل الاجتماعي إلى اتهامات مباشرة لأصالة بـ«سرقة» لحن سيد درويش، مع انتشار مقاطع تقارن بين الأغنيتين. لكن هل يكفي التشابه الموسيقي لإثبات السرقة؟ وهل أصالة مسؤولة أصلاً عن أصل اللحن الذي أدّته؟
جمعية المؤلفين والملحنين تدخل على الخط
جمعية المؤلفين والملحنين والناشرين المصرية أعلنت أن التشابه بين العملين لا يقتصر، وفق رأي المتخصصين لديها، على جملة موسيقية عابرة، بل يمتد إلى البنية اللحنية الأساسية والمسار النغمي والإيقاع والعلاقات بين الجمل الموسيقية.
وطالبت الجمعية بتقديم وثيقة أو تسجيل تاريخي يثبت أن «على روض الحبيب» كانت متداولة ضمن التراث السوري قبل ظهور «زوروني كل سنة مرة» المنسوبة إلى سيد درويش منذ أكثر من قرن.
وبحسب هذا الرأي، فإن الاختلاف في سرعة الأداء أو التوزيع الموسيقي وبعض التحويرات لا يلغي حضور لحن سيد درويش بصورة واضحة في الأغنية التي أدّتها أصالة.
رواية سورية مختلفة
في المقابل، يؤكد متداولون وباحثون في التراث السوري أن «على روض الحبيب» أغنية شعبية قديمة عُرفت في الساحل السوري، وأنها لم تُكتب أو تُلحّن خصيصاً لأصالة. كما توجد تسجيلات سابقة لفنانين سوريين أدّوا الأغنية قبل أن تضمّها أصالة إلى مشروعها الغنائي.
غير أن وجود تسجيلات حديثة نسبياً لا يحسم المسألة التاريخية، لأن السؤال الحقيقي ليس عمّن غنّاها قبل أصالة، بل عن أول ظهور موثّق للحن: هل وُلد في اللاذقية وانتقل لاحقاً إلى مصر، أم أن النسخة السورية جاءت متأثرة بلحن سيد درويش؟
حتى الآن، لا توجد وثيقة منشورة تحسم هذا الخلاف بصورة قاطعة، ولذلك يبقى الباب مفتوحاً أمام البحث الموسيقي والتاريخي بعيداً عن الانفعالات والمنافسة بين التراثين السوري والمصري.
موقف مفاجئ لأسرة سيد درويش
المفارقة أن أسرة سيد درويش لم تتبنَّ الموقف المتشدد نفسه، إذ نفت وجود نية لمقاضاة أصالة، واعتبرت أن التشابه لا يستدعي اتخاذ إجراءات قانونية. وهكذا انقسمت الآراء بين متخصصين يرون تطابقاً موسيقياً واضحاً، وأسرة صاحب اللحن التي لم تجد ما يبرر الدخول في نزاع قضائي.
أما أصالة فلم تُعرف عنها محاولة تسجيل اللحن باسمها أو الادعاء بأنها ألّفته، بل قدّمته بوصفه من التراث السوري. ولذلك فإن تحميلها وحدها مسؤولية الخلاف التاريخي حول أصل الأغنية يبدو مبالغاً فيه، خصوصاً أنها مؤدية للعمل وليست ملحنته.
هل يصح وصف ما حدث بالسرقة؟
استخدام كلمة «سرقة» يحتاج إلى دليل يثبت أن أصالة أو فريق العمل كان يعلم أن اللحن يعود إلى سيد درويش، ثم أعاد تقديمه عمداً ونسبه إلى مصدر آخر. وهذا الدليل غير متوافر حتى الآن.
الأدق وصف ما جرى بأنه خلاف حول توثيق اللحن ونسبته، وربما خطأ في البحث والتدقيق قبل إعلان الأغنية جزءاً من التراث السوري. وحتى إذا أثبتت الدراسات الموسيقية أن اللحن يعود بالفعل إلى سيد درويش، فإن القضية ستكون متعلقة بحق نسب العمل إلى صاحبه وحماية الأمانة التاريخية، لا باتهام أصالة شخصياً بسرقته.
كما أن انتقال الألحان الشعبية بين بلاد الشام ومصر كان شائعاً في بدايات القرن العشرين، في زمن لم تكن فيه التسجيلات متاحة على نطاق واسع، وكانت الفرق المسرحية والفنانون يتنقلون بين المدن حاملين معهم الأغاني والجمل الموسيقية. ومع مرور السنوات، قد تدخل بعض الألحان في الذاكرة الشعبية لمنطقة ما وتُعامل باعتبارها جزءاً من تراثها، حتى لو كان لها مؤلف معروف في مكان آخر.
التوثيق بدلاً من الاتهامات
أعادت أغنية «على روض الحبيب» فتح ملف بالغ الأهمية يتعلق بضرورة توثيق التراث الموسيقي العربي، لأن الذاكرة الشفهية وحدها لا تكفي لإثبات ملكية لحن أو تحديد المكان الذي ظهر فيه للمرة الأولى.
وبين اللاذقية والإسكندرية، وبين أصالة وسيد درويش، يبقى اللحن واحداً والقصتان مختلفتين. أما الحقيقة، فلن تحسمها المقاطع المتداولة أو المشاحنات بين الجمهور، وإنما تسجيل مؤرخ أو وثيقة موسيقية تسبق ما هو معروف حتى الآن.
إلى أن يظهر مثل هذا الدليل، لا يمكن القول إن أصالة سرقت لحن سيد درويش، بل إنها أدّت أغنيةً مختلفاً على أصلها، فنقلت الخلاف من ذاكرة الموسيقيين إلى جمهور واسع، وفتحت من دون قصد جدلاً يتجاوز صوتها وحفلها إلى سؤال أكبر: لمن تعود الألحان التي حفظتها الشعوب، قبل أن يحفظها التاريخ؟

More Stories
الفلامنكو يضيء أوبرا دمشق في أمسية تجمع الموسيقى الإسبانية والسورية
نقل نصب صلاح الدين من محيط قلعة دمشق يثير جدلاً حول مصيره
بعد 13 عاماً من الإغلاق.. الجامع الأموي الكبير في حلب يفتح أبوابه مجدداً