مارس 4, 2026

تصدر عن مؤسسة جوليا دومنا برس للطباعة والنشر

حسن النيفي… شاعرٌ اختار الصمت العالي وعاد إلى حلب ليُدفن في معناها

الشاعر حسن النيفي صوتٌ شعريٌّ هادئ، آمن بالكلمة بوصفها موقفًا أخلاقيًا وجماليًا، وكتب القصيدة بعيدًا عن الضجيج. عاد في رحيله إلى حلب، المدينة التي سكنته كما سكنها، ليُوارى الثرى في ترابها، تاركًا أثره في النص والذاكرة.

خاص – مجلة جوليا دومنا برس


برحيل الشاعر حسن النيفي، تفقد القصيدة السورية أحد أصواتها الهادئة والعميقة، أولئك الذين لا يكثرون من الظهور، لكنهم حين يكتبون، يتركون أثرًا أبقى من الضجيج.
لقد أُعلن عن وفاة الشاعر، وجرى تشييعه ودفنه في مدينة حلب، المدينة التي لم تكن في تجربته مجرد مكان، بل ذاكرةً ومجازًا وموقفًا.
شاعر المعنى والاقتصاد اللغوي
ينتمي حسن النيفي إلى جيلٍ آمن بأن الشعر ليس استعراضًا لغويًا ولا تمرينًا بلاغيًا، بل فعلُ كشفٍ داخليّ، ومسؤولية أخلاقية تجاه الكلمة. جاءت قصيدته مشغولة بالجوهر الإنساني، متخففة من الزوائد، قادرة على الإمساك بالأسئلة الوجودية الصغيرة والكبيرة بلغةٍ شفيفة، متقشفة، لكنها مشبعة بالدلالة.
لم يكن شاعر منابر ولا باحثًا عن الاحتفاء السريع، بل كاتبًا يراكم تجربته بصمت، ويترك للنص أن يتقدّم بدل صاحبه. لذلك ظل حضوره في المشهد الثقافي حضورًا نوعيًا، يعرفه القرّاء الحقيقيون، ويقدّره من يقرأ الشعر بإنصات.
حلب… القصيدة التي لا تُكتب كاملة
أن يُوارى الشاعر الثرى في حلب، ليس تفصيلاً عابرًا في سيرته الأخيرة. فهذه المدينة، بما حملته من تاريخٍ وخرابٍ وذاكرةٍ مثقلة، كانت حاضرة في خلفية نصوصه، كجرحٍ مفتوح وحنينٍ لا يهدأ.
عاد إليها في موته، كما يعود الشعر إلى أصله الأول: التراب، والصمت، والصدق.
وقد جرى تشييعه في أجواءٍ اتسمت بالوقار والبساطة، بمشاركة عائلته وعدد من أصدقائه ومحبيه، في وداعٍ هادئ ينسجم تمامًا مع شخصيته وتجربته.
خسارة لا تُقاس بالضجيج
برحيل حسن النيفي، تخسر الثقافة السورية شاعرًا آمن بأن القصيدة موقف، وبأن اللغة ليست ترفًا بل مسؤولية. غير أن الشعراء الحقيقيين لا يغيبون كليًا؛ إنهم ينتقلون من الجسد إلى النص، ومن الحضور الفيزيائي إلى الذاكرة الثقافية.
يبقى حسن النيفي في قصيدته،
وفي تلك المساحة النقية من الشعر
التي لا يزورها إلا من يعرف أن القليل… كثير.
رحم الله الشاعر حسن النيفي،
ولحلب عزاؤها،
وللشعر خسارته النبيلة.