مايو 23, 2026

تصدر عن مؤسسة جوليا دومنا برس للطباعة والنشر

دراسة تكشف السر البيولوجي وراء إصابة النساء بأمراض المناعة الذاتية أكثر من الرجال

حين تتحول “قوة” الجهاز المناعي إلى سلاح ضد الجسد نفسه… دراسة جديدة تكشف لماذا تُصاب النساء بأمراض المناعة الذاتية أكثر من الرجال، وتفتح الباب أمام علاجات مستقبلية تراعي الفروق البيولوجية بين الجنسين.

في اكتشاف علمي قد يفسر لغزاً حيّر الأطباء لسنوات، توصل باحثون إلى أن النساء يمتلكن استعداداً وراثياً ومناعياً أعلى للإصابة بأمراض المناعة الذاتية، نتيجة اختلافات دقيقة في طريقة عمل الجهاز المناعي بين الجنسين.


الدراسة الحديثة، المنشورة في مجلة ذا أمريكان جورنال أوف هيومان جنيتكس، كشفت أن أكثر من ألف “مفتاح جيني” يعمل بشكل مختلف داخل الخلايا المناعية لدى النساء مقارنة بالرجال، ما يجعل الجهاز المناعي لدى الإناث أكثر نشاطاً واستجابة للالتهابات.
جهاز مناعي “أقوى”.. لكن بثمن
ورغم أن هذا النشاط المناعي المرتفع يمنح النساء قدرة أفضل على مقاومة الفيروسات والعدوى، إلا أنه يحمل جانباً سلبياً يتمثل في زيادة احتمال مهاجمة الجسم لنفسه، وهو ما يحدث في أمراض المناعة الذاتية.
وتشمل هذه الأمراض:
الذئبة الحمراء
التصلب المتعدد
التهاب المفاصل الروماتويدي
أمراض الغدة المناعية
وفي هذه الحالات، يخطئ الجهاز المناعي في التمييز بين الخلايا السليمة والأجسام الغريبة، فيبدأ بمهاجمة أنسجة الجسم مسبباً التهابات مزمنة وتلفاً في الأعضاء والمفاصل والجلد.
أكثر من مليون خلية تحت المجهر
واعتمد الباحثون على تحليل أكثر من 1.25 مليون خلية مناعية من عينات دم تعود لنحو ألف شخص سليم في أستراليا، باستخدام تقنية متقدمة تسمح بدراسة كل خلية على حدة، بدلاً من تحليل متوسط نشاط مجموعة كبيرة من الخلايا كما في الدراسات التقليدية.
هذا الأسلوب مكّن العلماء من رصد اختلافات جينية “خفية” مرتبطة بالجنس لم تكن واضحة سابقاً.
ماذا يحدث داخل جسم المرأة؟
أظهرت النتائج أن النساء يمتلكن مستويات أعلى من:
الخلايا البائية:
المسؤولة عن إنتاج الأجسام المضادة
الخلايا التائية: التي تتحكم بتنظيم الاستجابة المناعية
وهي خلايا تجعل الجهاز المناعي أكثر حساسية واستجابة، لكنه يصبح أيضاً أكثر ميلاً للالتهاب المفرط.
في المقابل، تبين أن الرجال يمتلكون نشاطاً جينياً يركز أكثر على:
الصيانة الخلوية
بناء البروتينات
الاستجابة الدفاعية الأولية
مع ارتفاع في نسبة خلايا “المونوسيتس”، وهي خلايا تشكل خط الدفاع الأول ضد العدوى.
الباحثون: تجاهل الفروق بين الجنسين يعرقل العلاج
وقالت الباحثة Sarah Palaus إن الجهاز المناعي لدى النساء “أكثر تفاعلاً بطبيعته”، موضحة أن هذه الميزة المفيدة ضد الفيروسات “تأتي بثمن بيولوجي يتمثل في زيادة خطر الإصابة بأمراض المناعة الذاتية”.
أما الباحثة Sehan Yazar فأكدت أن نتائج الدراسة تبرز ضرورة تطوير علاجات ودراسات طبية تراعي الفروق البيولوجية بين الرجال والنساء، معتبرة أن تجاهل هذه الاختلافات “يحد من فهم الأمراض ويؤثر على جودة العلاج”.

تسلط هذه الدراسة الضوء على أهمية الطب الشخصي في المستقبل، حيث قد تصبح العلاجات المناعية مصممة وفق الجنس والتركيب الجيني لكل مريض، بدلاً من اعتماد نموذج علاجي موحد للجميع.
كما تعيد النتائج طرح تساؤلات قديمة حول سبب إصابة النساء بأمراض المناعة الذاتية بمعدلات تفوق الرجال بعدة أضعاف، وهو ما يبدو أن العلم بدأ أخيراً في فك شيفرته.