أغسطس 24, 2026

تصدر عن مؤسسة جوليا دومنا برس للطباعة والنشر

شقيقان مصريان فقدا البصر.. فحوّل أحدهما الذكاء الاصطناعي إلى «عين» ترى العالم

مارك مراد يحوّل تحدي فقدان البصر إلى ابتكار ذكي يساعد المكفوفين على «رؤية» العالم من حولهم.

في تجربة تجمع بين التحدي والابتكار، نجح الشاب المصري الكفيف مارك مراد في تطوير تطبيق ذكي يساعد المكفوفين على التعرف إلى العالم المحيط بهم، مستخدماً تقنيات الذكاء الاصطناعي لوصف الأشخاص والأشياء والأماكن والمشاهد بصورة فورية.


وكانت شقيقته كارين مراد، البالغة من العمر 16 عاماً والتي فقدت بصرها قبل نحو خمس سنوات، من بين أوائل من اختبروا الأثر الحقيقي للتطبيق. وخلال رحلة سفاري في كينيا في يونيو الماضي، تمكنت للمرة الأولى منذ فقدان بصرها من تكوين صورة ذهنية متكاملة تقريباً لما يدور حولها.
فمن خلال تطبيق «سكرايب مي» (Scribe Me)، المدمج في نظارات ميتا الذكية، كانت كارين تستمع إلى وصف متواصل للحيوانات الموجودة أمامها، والمسافات التي تفصلها عنها، وحركاتها وما تفعله في اللحظة نفسها.
وبالنسبة إلى الفتاة المصرية، لم تكن التجربة مجرد مساعدة تقنية، بل لحظة استثنائية أعادت إليها إحساساً افتقدته منذ سنوات، إذ وصفت شعورها بأنها أحست وكأنها «ترى» بالفعل.
من فقدان البصر إلى تعلم البرمجة
يقف وراء التطبيق شقيقها مارك، البالغ من العمر 20 عاماً، والذي فقد بصره هو الآخر بعد رحلة مرضية طويلة بدأت عام 2018.
ورغم خضوعه لفحوصات طبية داخل مصر وخارجها، لم يتمكن الأطباء من التوصل إلى تشخيص قاطع لحالته، باستثناء الإشارة إلى إصابته بحالة نادرة ومستعصية تؤثر في العصب البصري وقد تقوده إلى فقدان البصر.
وبحلول أواخر عام 2021، كان الشقيقان قد فقدا بصرهما بالكامل. واستغرق تدهور بصر كارين نحو ستة أشهر، بينما امتدت رحلة مارك مع تراجع الرؤية لما يقارب ثلاث سنوات.
وجدت الأسرة نفسها أمام واقع جديد وصعب، وكان التعليم من أبرز العقبات التي واجهت مارك، خصوصاً في مواد مثل الفيزياء والكيمياء، إذ لم تكن تطبيقات قراءة الشاشة التقليدية قادرة على التعامل بصورة فعالة مع الرسوم البيانية والجداول والمعادلات.
حاول مارك التواصل مع مطوري تطبيقات في الخارج يعملون على حلول مشابهة، لكنه لم يتلق الرد الذي كان ينتظره. عندها قرر البحث عن الحل بنفسه.
بدأ تعلم البرمجة اعتماداً على الدروس المتاحة عبر الإنترنت ومنصة يوتيوب، ومع الوقت تمكن من تحويل حاجته الشخصية إلى مشروع تقني. وبحلول عام 2023، أصبح لديه تطبيق قابل للاستخدام.
الذكاء الاصطناعي في خدمة المكفوفين
تطور «سكرايب مي» لاحقاً من أداة لمسح الوثائق وقراءتها إلى مساعد ذكي قادر على استخدام كاميرا الهاتف للتعرف إلى البيئة المحيطة والإجابة الفورية عن أسئلة المستخدم.
ويدعم التطبيق نحو 20 لغة، من بينها اللغة العربية، وهي ميزة اعتبرها مارك ضرورية في ظل محدودية دعم العربية في عدد من الحلول التقنية المنافسة.
كما جرى دمج التطبيق مع نظارات ميتا الذكية، الأمر الذي يسمح للمستخدم الكفيف بالحصول على وصف لما يحيط به من دون الحاجة إلى الإمساك بالهاتف، لتبقى يداه حرتين، خصوصاً عند استخدام العصا البيضاء.
ويستخدم التطبيق حالياً آلاف الأشخاص في نحو 140 دولة، ويمكن تنزيله على هواتف آيفون والأجهزة التي تعمل بنظام أندرويد، إضافة إلى إمكانية استخدامه عبر نظارات ميتا.
ويتوافر التطبيق مجاناً، فيما يقدم مزايا إضافية عبر اشتراك بقيمة 20 دولاراً شهرياً أو 200 دولار سنوياً.
من الفصل الدراسي إلى اختيار الملابس
بالنسبة إلى كارين، تجاوز استخدام التطبيق حدود التجربة خلال رحلة السفاري. فقد أصبح يساعدها في تفاصيل حياتها اليومية، من العثور على فصلها الدراسي والتعرف إلى المتاجر، وصولاً إلى اختيار ملابسها والمساعدة في الدراسة.
أما مشروع مارك، فحصل على دفعة إضافية بعد مشاركته وحصوله على تقدير في مسابقات تكنولوجية، من بينها هاكاثون لتقنيات الذكاء الاصطناعي المساعدة للأشخاص ذوي الإعاقة نظمته فودافون مصر عام 2024، وهو ما ساعده على استقطاب شريك مؤسس وتوسيع المشروع.
قصة الشقيقين لم تغير فقط الطريقة التي يتعاملان بها مع فقدان البصر، بل غيرت أيضاً نظرة أسرتهما إلى المستقبل.
فبعد سنوات من الصدمة والقلق، أصبحت التكنولوجيا التي طورها مارك بنفسه وسيلة تمنحه وشقيقته قدراً أكبر من الاستقلال، وتحول تجربة شخصية قاسية إلى مشروع يستفيد منه مكفوفون في عشرات الدول.


ويلخص والدهما مراد صدقي التحول الذي عاشته الأسرة بفكرة بسيطة:

قبل أربع سنوات كان من الصعب عليه أن يصدق أن يصل ابناه إلى ما وصلا إليه اليوم، أما الآن فقد أصبحت الأحلام تكبر معهما، وتعلمت الأسرة ألا تقول: «مستحيل».