أغسطس 24, 2026

تصدر عن مؤسسة جوليا دومنا برس للطباعة والنشر

«الأضرار المناخية تضغط على موازنات أوروبا.. وفجوة التأمين تُحمّل الحكومات الكلفة»

تفاقم الكوارث المناخية يضع الموازنات الأوروبية أمام أعباء مالية متزايدة مع اتساع فجوة التأمين.

لم تعد موجات الحر والفيضانات وحرائق الغابات في أوروبا مجرد كوارث موسمية تنتهي آثارها بانحسار المياه أو إخماد النيران، بل تتحول تدريجيا إلى عبء مالي متكرر يهدد الموازنات العامة، في وقت تواجه فيه الحكومات الأوروبية أصلا ضغوطا متزايدة بفعل الإنفاق الدفاعي وارتفاع تكاليف الشيخوخة وتباطؤ النمو.
وتكمن المشكلة الأكبر في أن معظم الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الكوارث المناخية لا يغطيها التأمين، ما يعني أن الحكومات قد تجد نفسها مضطرة إلى تحمل جانب متزايد من تكاليف التعويض وإعادة الإعمار وترميم البنية التحتية.
كوارث لم تعد استثنائية
كشفت حرائق الغابات التي ضربت مناطق في جنوب غرب أوروبا هذا العام، إلى جانب الفيضانات المدمرة التي شهدتها إسبانيا عام 2024 وألمانيا ودول مجاورة عام 2021، حجم الضغط الذي يمكن أن تفرضه الظواهر الجوية المتطرفة على الاقتصادات الأوروبية.
وفي السابق، كان من الممكن التعامل مع تكاليف الكوارث باعتبارها نفقات استثنائية وغير متكررة، إلا أن تزايد وتيرة هذه الأحداث يجعل هذا التصنيف أقل واقعية.
وقال فيديريكو باريجا-سالاثار، رئيس قسم التصنيفات السيادية لدول أوروبا الغربية في وكالة فيتش، إن المشكلة تكمن في أن هذه الكوارث «أصبحت أكثر تواترا»، مشيرا إلى أن الحكومات التي تعاني أصلا من ضغوط مالية ستجد نفسها أمام مفاضلات أصعب في تحديد أولويات الإنفاق.
822 مليار يورو من الخسائر
وتبدو الأرقام أكثر إثارة للقلق عند النظر إلى العقود الماضية. فوفقا لوكالة البيئة الأوروبية، تسببت الظواهر المتطرفة المرتبطة بالطقس والمناخ في خسائر اقتصادية تقدر بنحو 822 مليار يورو في دول الاتحاد الأوروبي بين عامي 1980 و2024.
واللافت أن نحو ربع هذه الخسائر وقع خلال السنوات الأربع الأخيرة من تلك الفترة، في مؤشر على تسارع الكلفة الاقتصادية للظواهر المناخية المتطرفة.
ويأتي ذلك في وقت يبلغ فيه متوسط العجز العام في منطقة اليورو نحو ثلاثة بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، ما يحد من قدرة بعض الحكومات على استيعاب صدمات مالية إضافية.
وتشير تقديرات إلى أن الفيضانات التي اجتاحت إسبانيا عام 2024 ستترتب عليها تكاليف لإعادة الإعمار تعادل نحو 0.7 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي خلال الفترة من 2024 إلى 2026.
فجوة تأمينية واسعة
لكن أحد أخطر جوانب الأزمة يتمثل في اتساع ما يعرف بـ«فجوة الحماية التأمينية».
فنحو ربع الخسائر الناجمة عن الكوارث المرتبطة بالمناخ فقط تحظى بتغطية تأمينية في الاتحاد الأوروبي، بينما تقل نسبة التغطية في بعض الدول عن خمسة بالمئة.
وهذا يعني أن الجزء الأكبر من الخسائر يقع على الأفراد والشركات والحكومات، ومع تزايد تواتر الكوارث وارتفاع قيمتها قد تتسع هذه الفجوة أكثر إذا ارتفعت أقساط التأمين أو انسحبت شركات من تغطية المناطق شديدة الخطورة.
وفي نهاية المطاف، قد تنتقل نسبة متزايدة من الكلفة إلى الخزينة العامة، سواء من خلال التعويضات أو برامج الدعم أو إعادة بناء الطرق وشبكات المياه والطاقة والمنشآت العامة.
الاستثمار الآن أم دفع الثمن لاحقا؟
مع استعداد الاتحاد الأوروبي لطرح مقترحات بشأن المرونة المناخية وإدارة المخاطر خلال الخريف، يتركز النقاش على كيفية توزيع الأعباء بين الحكومات وشركات التأمين والأفراد، والأهم كيفية الحد من الخسائر قبل وقوعها.
وتواجه اليونان تحديا خاصا في هذا المجال، نظرا لاعتماد اقتصادها الكبير على السياحة وتعرض مناطق واسعة فيها لموجات الحر وحرائق الغابات. ولذلك تبحث أثينا سبل توسيع التغطية التأمينية، بالتوازي مع تعزيز قدرة شبكات المياه والطاقة على الصمود، خصوصا في المناطق السياحية المكتظة.
وفي البرتغال، دفعت الفيضانات الهائلة التي وقعت في أوائل عام 2026 السلطات إلى الإعلان عن خطط لإدخال تأمين إلزامي على المنازل، مدعوم بصندوق للكوارث الطبيعية والزلازل وآلية تضامن أوسع لتوزيع المخاطر.
خطر «فخ التكيف»
وتشير دراسات اقتصادية إلى أن الاستثمار المبكر في حماية المدن والبنية التحتية من الفيضانات والحرائق وموجات الحر قد يكون أقل كلفة بكثير من دفع تكاليف الكوارث بعد وقوعها.
وحذرت دراسة لجامعة أكسفورد عام 2025 مما أطلقت عليه «فخ الاستثمار في التكيف»، وهو سيناريو تدخل فيه الحكومات حلقة مالية مفرغة: تتكرر الكوارث، فترتفع تكاليف إعادة الإعمار والديون، ثم تتراجع الأموال المتاحة للاستثمار في إجراءات الوقاية، ما يجعل الاقتصاد أكثر عرضة للكارثة التالية.
وهنا يتحول تغير المناخ من قضية بيئية إلى مشكلة تتعلق مباشرة بالديون السيادية والضرائب والإنفاق العام وقدرة الدول على تمويل خدماتها الأساسية.
وبالنسبة لأوروبا، فإن السؤال لم يعد مقتصرا على حجم الخسائر التي قد تسببها الكارثة المناخية المقبلة، بل على من سيدفع ثمنها.
ومع بقاء معظم الخسائر خارج مظلة التأمين، تبدو الحكومات الأوروبية مرشحة لتحمل حصة متزايدة من الفاتورة، ما لم تنجح في توسيع تقاسم المخاطر والاستثمار مبكرا في التكيف والحماية. وفي قارة ترتفع حرارتها بوتيرة سريعة، قد يصبح تأجيل هذه الاستثمارات أكثر كلفة من تنفيذها.