رغم الصورة الشائعة للديناصورات بوصفها عمالقة سيطروا على اليابسة لملايين السنين، فإن عالم الديناصورات عرف تنوعاً كبيراً في الأحجام، من مخلوقات تزن عشرات الأطنان إلى أنواع صغيرة بحجم الطيور. لكن سؤالاً ظل يحير العلماء: لماذا لم تتطور ديناصورات بالغة الصغر، بحجم الفئران مثلاً؟
دراسة علمية جديدة حاولت الإجابة عن هذا السؤال، وخلصت إلى أن المنافسة مع الثدييات الصغيرة التي عاشت إلى جانب الديناصورات ربما كانت أحد أهم الأسباب.
من 90 طناً إلى بضعة مئات من الجرامات
بلغت بعض الديناصورات العاشبة طويلة العنق أحجاماً هائلة، ومن أشهرها «الأرجنتينوصور»، الذي يُقدر وزنه بما بين 70 و90 طناً، فيما تجاوز طوله 30 متراً.
وعلى الطرف الآخر من مقياس الأحجام، عاشت ديناصورات صغيرة للغاية مقارنة بهذه العمالقة. ومن بينها «ميكرورابتور»، الذي كان بحجم الغراب تقريباً وبلغ وزنه نحو 430 جراماً، و«أنكيورنيس» بوزن يقارب 530 جراماً، و«فروتادينس» الذي وصل وزنه إلى نحو 730 جراماً.
لكن حتى هذه الديناصورات الصغيرة كانت ضخمة إذا قورنت بأصغر الطيور الموجودة حالياً، مثل طائر النحلة الطنان الذي لا يتجاوز وزنه نحو 1.75 جرام.
النماذج الرياضية لم تقدم الإجابة كاملة
استخدم الباحثون في الدراسة نماذج رياضية لمقارنة تطور أحجام الأجسام لدى مجموعات مختلفة من الفقاريات، من بينها الثدييات والطيور والسلاحف والديناصورات.
وأظهرت النتائج أن العوامل المتعلقة بالطاقة ووظائف أعضاء الجسم تستطيع إلى حد كبير تفسير الحدود الدنيا لأحجام كثير من الحيوانات، لكنها لم تستطع تفسير سبب غياب الديناصورات شديدة الصغر، باستثناء الديناصورات التي تنتمي إلى السلالة التي تطورت منها الطيور.
وهنا اتجه العلماء إلى البحث عن تفسير بيئي بدلاً من الاكتفاء بالعوامل الجسدية.
الثدييات ربما أغلقت الباب أمام الديناصورات الصغيرة
تقترح الدراسة أن الثدييات المبكرة، التي كان الكثير منها صغيراً بحجم الزبابة أو الفأر، سبقت الديناصورات إلى احتلال البيئات والأدوار المناسبة للحيوانات الصغيرة.

فقد تخصصت هذه الثدييات في التغذي على الحشرات والبذور وغيرها من الموارد التي تناسب الأجسام الصغيرة، وبالتالي ربما لم تترك مساحة بيئية كافية تسمح للديناصورات بالتطور إلى أحجام أصغر.
وقالت عالمة الحفريات ستيفاني ليشكي، الباحثة في جامعة برينستون والمشاركة في الدراسة المنشورة في دورية «إيفولوشن»، إن معظم المجموعات الحيوانية المعروفة تضم أنواعاً صغيرة جداً، وغالباً ما تكون هذه الحيوانات وفيرة ومؤثرة في النظم البيئية التي تعيش فيها.
وبحسب فرضية الباحثين، ربما كانت هناك حالة من «تقاسم الأحجام» بين المجموعتين: الثدييات سيطرت على الأدوار البيئية الصغيرة، بينما هيمنت الديناصورات على الأحجام المتوسطة والكبيرة والعملاقة.
منافسة في الاتجاهين
الأمر لم يكن مقتصراً على منع الديناصورات من أن تصبح أصغر، إذ يرجح العلماء أن الديناصورات بدورها منعت الثدييات المبكرة من التطور إلى أحجام ضخمة.
فطوال فترة هيمنة الديناصورات، بقيت معظم الثدييات صغيرة نسبياً ولم تتمكن من احتلال مواقع الحيوانات العاشبة العملاقة أو المفترسات الكبرى.
وتغير الوضع بصورة جذرية قبل نحو 66 مليون سنة، عندما أدى اصطدام كويكب بالأرض إلى انقراض الديناصورات غير الطيرية ضمن موجة انقراض جماعي واسعة.
وبعد اختفاء المنافسين الكبار، بدأت الثدييات بالتوسع في الأدوار البيئية التي أصبحت شاغرة، وتطورت لاحقاً إلى مجموعة هائلة من الأحجام والأشكال، وصولاً إلى الحيوانات العملاقة.
هل كانت هناك ديناصورات أصغر ولم نعثر عليها؟
يطرح العلماء احتمالاً آخر، وهو أن ديناصورات صغيرة جداً ربما عاشت بالفعل، لكن أحافيرها لم تُكتشف حتى الآن بسبب هشاشة عظامها وصعوبة حفظها.
إلا أن الباحثين لا يعتبرون هذا التفسير كافياً، لأن الطبقات والرواسب التي حفظت أحافير الديناصورات احتفظت أيضاً ببقايا العديد من الحيوانات الصغيرة الأخرى.
وبذلك تقدم الدراسة تفسيراً مثيراً للفجوة الغريبة في أحجام الديناصورات: ربما لم يكن جسم الديناصور عاجزاً عن أن يصبح بحجم الفأر، وإنما كان عالم الحيوانات الصغيرة مزدحماً بالفعل بمنافسين أكثر نجاحاً، وفي مقدمتهم الثدييات المبكرة.

More Stories
هولندا تسجل أول إصابة محلية بفيروس غرب النيل منذ ست سنوات
دهون البطن قد تكشف خطر أمراض القلب بدقة أكبر من مؤشر كتلة الجسم
الكلاب تقرأ مشاعرنا.. دراسة تكشف قدرتها على التمييز بين تعابير الوجه البشرية